علي محمد علي دخيل

696

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الخروج إلى ما لا يجوز من سيئة تدنسه ، أو خطيئة تحط منه وتشينه مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ أي هو من خاف اللّه وأطاعه ، وآمن بثوابه وعقابه ولم يره وقيل : بالغيب ؛ أي في الخلوة بحيث لا يراه أحد وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أي ودام على ذلك حتى وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة اللّه ، راجع إلى اللّه ادْخُلُوها بِسَلامٍ أي يقال لهم : ادخلوا الجنة بأمان من كل مكروه ، وسلامة من كل آفة ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ الوقت الذي يبقون فيه في النعيم مؤبدين لا إلى غاية لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها أي لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم ويريدونه من أنواع النعم وَلَدَيْنا مَزِيدٌ أي وعندنا زيادة على ما يشاءونه مما لم يخطر ببالهم ، ولم تبلغه أمانيهم . ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء من القرون الذين كذبوا رسلهم هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً اي الذين أهلكناهم كانوا أشد قوة من هؤلاء ، وأكثر عدة ، ولم يتعذر علينا ذلك فما الذي يؤمّن هؤلاء من مثله فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ معناه : ساروا في البلاد وطوّفوا فيها بقوتهم ، وسلكوا كل طريق ، وسافروا في اعمار طويلة هَلْ مِنْ مَحِيصٍ أي هل من محيد عن الموت ، ومنجى من الهلاك ؟ يعني : لم يجدوا في جميع ذلك من الموت والهلاك منجى ومهربا إِنَّ فِي ذلِكَ اي فيما أخبرته ، وقصصته لَذِكْرى أي ما يعتبر به ويتفكر فيه لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ معنى القلب هنا العقل عن ابن عباس من قولهم : اين ذهب قلبك ؟ وفلان قلبه معه ، وانما قال ذلك لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بماله من القلب أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ أي استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع ، وهو شهيد لما يسمع فيفقهه ، غير غافل عنه ولا ساه وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ أي نصب وتعب . أكذب اللّه تعالى بهذا اليهود فإنهم قالوا : استراح اللّه يوم السبت فلذلك لا تعمل فيه شيئا فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يا محمد من بهتهم وكذبهم وقولهم : انك ساحر أو مجنون ، واحتمل ذلك حتى يأتي اللّه بالفرج وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي وصل واحمد اللّه تعالى ، سمّي الصلاة تسبيحا لأن الصلاة تشتمل على التسبيح والتحميد قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ يعني صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ يعني المغرب والعشاء الآخرة وَأَدْبارَ السُّجُودِ انه الوتر من آخر الليل . 41 - 45 - ثم قال سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمراد به جميع المكلفين وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ أي اصغ إلى النداء وتوقعه ، يعني صيحة القيامة والبعث والنشور ينادي بها المنادي وهي النفخة الثانية ، ويجوز أن يكون المراد : واستمع ذكر حالهم يوم ينادي المنادي ، وقيل : إنه ينادي مناد من صخرة بيت المقدس : أيّها العظام البالية ، والأوصال المنقطعة ، واللحوم المتمزّقة ، قومي لفصل القضاء ، وما أعدّ اللّه لكم من الجزاء والمنادي هو إسرافيل يقول : يا معشر الخلائق قوموا للحساب ، وإنما قال : مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ، لأنّه يسمعه الخلائق كلهم على حد واحد ، فلا يخفى على أحد قريب ولا بعيد ، فكأنّهم نودوا من مكان يقرب منهم يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ والصيحة : المرة الواحدة من الصوت الشديد ، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية وقوله بالحق : أي بالبعث ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من القبور إلى أرض الموقف وقيل : هو اسم من أسماء القيامة ، عن أبي عبيدة إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أخبر سبحانه عن نفسه انه هو الذي يحيي الخلق بعد ان كانوا جمادا أمواتا ، ثم يميتهم بعد ان كانوا احياء ، ثم يحييهم يوم القيامة ، وهو قوله وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ أي تتشقق الْأَرْضُ